ابن بسام

52

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ومن رسائله [ 1 ] في الدعابة والهزل فصل له من جواب على كتاب [ عتاب ] لابن عبدوس [ 2 ] لتقديمه صاحبيه ، في عنوان رقعة عليه : وردني من لدنك كتاب كريم [ 3 ] انهلّت عليّ منه سحائب [ 4 ] فكاهتك ودقا ، فلم يترك لي من فرط الضحك شدقا ، مما عذب استماعه ، وذهب بالإبداع اختراعه ، وإن كنت قد تعدّيت طورك ، وغلّبت ظنّك وحكّمت جورك ، ولم تحاسب نفسك عند الهجوم ، بما تقلع عنه من الإفحام والوجوم ، إذا أقيمت عليك الحجة ، وسدّت دونك مناهجها ، وعرضت عليك المحجة ، وضاقت عنك مخارجها ، وعلمت أنك مذنب فيما فعلت ، منتشب [ 16 ب ] فيما دخلت ، ووقعت بين ندامة واعتذار ، / وتوبة واستغفار ، ولو أنك تمعن نظرك ، وتدمن تدبّرك ، لما طارت بك فتخاء نشاطك ، ولما توهمت أنك إن جادلت لم أعاطك ، كلا ، فإنّ خصمك لا ينكل ، على أن لسانك الأطول ، فكيف أضعك أبا عامر - كما زعمت - موضع قدح الراكب [ 5 ] ، وأنت بمنزلة ما بين العين والحاجب ، وأصول بك على الأباعد والأقارب ، ولم أذهب إلى تأخيرك في العنوان ، وإن كنت شيخ الأوان ، إلا عناية بك وتحقيقا لدعاويك ، فيما تنكره من سنيك ، وبقولك بملء فيك : إنك أصغر القوم سنّا لا جسما ، ولقد شهدت لك بما قلت عدوانا وظلما ، لأنّ ما يبدو من تغضبك يكذبني ، وحسبي أنّ العقوبة [ 6 ] منك ما مطلتني ، وهذا جزاء الافتراء ، وعاقبة المسامحة والإغضاء ، فأين عزبت عنك بوادر فطنتك ، أم أين غربت شمس فهمك وتثبّتك ؟ لقد أوليت اليد [ 7 ] كفرانا ، وقابلت بالإساءة إحسانا ، ولو أني وفّقت [ لصدّرت بك ] ، إذ تجري هذه المعاني على الأسنان ، ولدللت على ما يخفيه المقراض من شيبك ويعانيه من هرم شبابك ، وقد ولّاك قفاه [ إعراضا ] وطلّقك ثلاثا ، فحينئذ كنت تحمد

--> [ 1 ] م ب : ومن رسالة . [ 2 ] المعروف بهذا الاسم من معاصري ابن طاهر هو أحمد بن عبدوس ، منافس ابن زيدون في حب ولادة ، وقد توفي سنة 472 . [ 3 ] كريم : سقطت من ط د س . [ 4 ] س : سحابة ؛ ط : سحاب . [ 5 ] الراكب يعلق قدحه في آخر رحله ، وفي الحديث : « لا تجعلوني كقدح الراكب » أي لا تؤخروني في الذكر . [ 6 ] اضطراب النص هنا سهوا في ط د س : إذ ورد : « فأين عزبت عنك بوادر . . . » وهذا سيرد بعد قليل . [ 7 ] ط د س : الندى .